صديق الحسيني القنوجي البخاري
70
فتح البيان في مقاصد القرآن
قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ أي : من أهل السجن ، اللام للعهد ، أي ممن عرفت حالهم في سجوني . وكان سجن فرعون أشد من القتل ، لأنه إذا سجن أحدا لم يخرجه حتى يموت ، وكان يطرحه في هوة عميقة في مكان تحت الأرض وحده . ولذلك ( أجعل ) أبلغ من ( لأسجننك ) فتوعد موسى بالسجن ، ولم يقل ما دليلك على أن هذه الإله أرسلك ، لأن فيه الاعتراف بأن ثمة إلها غيره ، وفي توعده بالسجن ضعف ، لما يروى أنه كان يفزع من موسى فزعا شديدا ، حتى كان اللعين لا يمسك بوله فلما سمع موسى عليه الصلاة والسلام ذلك لاطفه طمعا في إجابته ، وإرخاء لعنان المناظرة معه ، مريدا لقهره بالحجة المعتبرة في باب النبوة ، وهي إظهار المعجزة ، فعرض له على وجه يلجئه إلى طلب المعجزة . قالَ أَ وَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ أي : اتجعلني من المسجونين ؟ وتفعل ذلك ؟ ولو جئتك بشيء يتبين به صدقي ، وتظهر عنده صحة دعواي ؟ يعني المعجزة فإنها الجامعة بين الدلالة على وجود الصانع وحكمته ، وبين الدلالة على صدق دعوى من ظهرت على يده . والهمزة هنا للاستفهام ، والواو للعطف على مقدر كما مر مرارا ، فلما سمع فرعون ذلك طلب ما عرضه عليه موسى . قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ في دعواك وإنما أمره بذلك لظنه أنه يقدر على معارضته وهذا الشرط جوابه محذوف ، لأنه قد تقدم ما يدل عليه ، فعند ذلك أبرز موسى المعجزة . فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ أي : ظاهر ثعبانيته ليس بتمويه وتخييل كما يفعل السحرة . قيل : إنها لما صارت حية ارتفعت إلى السماء قدر ميل . ثم انحطت مقبلة إلى فرعون ، فقال بالذي أرسلك إلّا أخذتها ، فأخذها موسى فعادت عصا كما كانت ، وقد تقدم تفسير هذا وما بعده في سورة الأعراف واشتقاق الثعبان من ثعبت الماء في الأرض فانثعب ، أي : فجرته فانفجر ، وقد عبر سبحانه في موضع آخر مكان الثعبان بالحية بقوله : فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى [ طه : 20 ] وفي موضع بالجانّ ، فقال : كَأَنَّها جَانٌّ * والجانّ هو المائل إلى الصغر ، والثعبان هو المائل إلى الكبر ، والحية جنس يشمل الكبير والصغير . وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ خلاف ما كانت عليه من الأدمة فيه دليل على أن بياضها كان شيئا يجتمع النظارة على النظر إليه لخروجه عن العادة ، وكان بياضها نوريا ، قال ابن عباس يقول : وأخرج موسى يده من جيبه ، فإذا هي بيضاء تلمع للناظرين لمن ينظر إليها ويراها من غير برص ، لها شعاع كشعاع الشمس يكاد يغشي الأبصار ، ويسد الأفق .